المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 'طريقة الجرة في إدارة الإقتصاد المنزلي


أحمد ابراهيم الحاج
01-28-2012, 04:54 AM
طريقة الجرة في إدارة الإقتصاد المنزلي
تاريخ النشر : 2008-12-04
طريقة الجرّة في إدارة الإقتصاد المنزلي
بقلم أحمد ابراهيم الحاج
.................................................. .
إن النجاح في إدارة الإقتصاد المنزلي يعتبر لبنةً أساسية في بناء إقتصادٍ وطني ناجح إن توفرت سلطة مخلصة وحريصة على المصالح الوطنية تديرعملية الموازنة بين الموارد الوطنية ومصادر الدخل الأخرى من جهة والنفقات الخدمية والتنموية للوطن والمواطن من جهة أخرى وتنتهج مبدأ العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين مواطنيها، ففي بداية الشراكة الزوجية بين طرفيها (الرجل والمرأة) ربما تكون الإلتزامات (النفقات أو المطلوبات( أكثر من الموجودات ومصادرالدخل (الإيرادات) . وهذا ما يمثل غالبية الحال عند الزواج في مجتمعاتنا العربية إلاّ من استغنى بالوراثة أو بالفساد أو بالحظ والإحتيال أو من أسس لبنيان الزوجية وأقدم عليها كهلاً بعد أن كوَّن نفسه ليسدد نفقاتها ويدَّخر لما بعد الزواج ، وذلك بسبب قلة الموارد الإنتاجية للأوطان العربية وضآلتها أمام النفقات وعدم توفر فرص العمل وانخفاض مستوى الدخل للفرد مقارنة مع الدول المنتجة.
وربما تكون الإيرادات من موجودات ومن مصادر الدخل أكبر من النفقات ، فإن كانت مصادر الدخل أكبر من النفقات فتلك هي البداية الأسهل في وضع حجر الأساس للبناء الإقتصادي للأسرة ، وإن كان العكس أي (زيادة النفقات على الإيرادات( فيتوجب على الزوجين أن يُرَشِّدا ويُقلصا تدريجياً من النفقات حتى تصبح أقل من مصادر الدخل ، ليضعا قدميهما على عتبة البدء والإنطلاق في طريق النجاح. وبعد ذلك يبدآن مشوار الجرة في إدارة الإقتصاد المنزلي وذلك بالموازنة بين قيمة الدخل وقيمة المصاريف ، بحيث برجحون كفة الدخل على كفة المصاريف تدريجياً وضمن المعطيات المتوفرة وقدر المستطاع بعيداً عن المظاهر واقتناء الكماليات غير الضرورية سيما وهما في وضع لا يستطيعان فيه مقابلة تكاليف هذه الكماليات فتزيد من حجم النفقات على حساب الإيرادات.
ففوهة الجرة ، يبدأ قطرها صغيراً وكلما انخفضنا قليلاً نحو القاعدة يزيد قطرها تدريجياً ومتناسباً مع حجمها. فلو افترضنا أن قطر الجرة يمثل الإيرادات في بداية الشراكة ، فيجب تقليص وضغط النفقات ليكون قطر دائرتها مساوياً أو أقل من قطر دائرة الإيرادات، وبذلك يتبقى شيئاً من الماء بحجم الفرق بين حجمي الدائرتين ، فيترسب في قعر الجرة (الحصّالة( ونُفتح به حساب توفير مشترك بين الزوجين يتم الإيداع فيه والسحب منه بمعرفة الطرفين وموافقتهما ، ويكون الماء الزائد رصيداً في حساب المخزون المائي للأسرة يستخدم وقت الحاجة الضرورية والطارئة في استحقاقها.
ولو انخفضنا مسافة أخرى نحو قاعدة الجرة فسوف يزيد قطر الجرة وبذلك تكبر دائرة الإيرادات ، وبالمنطق وتقدم الزمن تكبر تبعاً لذلك دائرة النفقات نظراً لقدوم الأولاد ، ودور الشريكين هنا في مشروع الأسرة أن يحافظا دوماً على أن تكون دائرة النفقات أصغر من دائرة الإيرادات وفي حدها الأدنى تساويها وخاصة في بداية المشوار وأن يعملا جاهدين على زيادة الفرق بين قطريهما )زيادة المسافة التي تفصل بين محيطي الدائرتين(، وبالتالي تكبر قيمة الإيداعات من المياه المتوفرة في قعر الجرة وتصبح كمية الإيداع من الماء في الجرة مساوية لكمية الماء اللازم لملأ الفراغ الذي يمثل الفرق بين حجمي الدائرتين فينمو ويكبر الرصيد من المياه الإحتياطية في الجرة. ولكي تحافظ الأسرة على هذه الطريقة المتنامية في إدارة اقتصادها المتنامي يتوجب عليها اتباع الخطوات التالية:
 النظر دائماً إلى الأسفل أو بخط مستقيم وذلك من خلال المنظار المادي، ومقارنة حالهما بحال الأسر ممن هم أقل مستوىً منهم أو أضعف الإيمان ممن هم بمستواهم ، وأن يشكرا الله ويحمداه على حالهما الذي هما فيه بالعبادة والدعاء بأن يديم عليهما هذا الحال من النعمة ويبارك ويزيد فيها وينميها. والشعور بالقناعة والرضا إقتداءً بقول الرسول الكريم "من ملك قوت يومه ، وأمسى آمناً في حزبه كأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها". وفي نفس الوقت النظر الى الأعلى بالمنظور الأخلاقي أي أن ينظر كل واحد منهما الى من هو أعلى منه قيمة أخلاقية ويحاول الوصول الى مستواه لا بل يتخطاه.
 إختيار الصحبة والمصاهرة من الأسر التي تتقارب أو تتساوى معهما في مستوى الدخل والمعيشة والسكن وتتقارب معهما أيضاً بمستوى الثقافة والتعليم ، وتبتعد عن صحبة المظاهر وعن من يتصنعون ويمثلون ويدّعون الرقي والرفاهية وخاصة من الجهلة قليلي الثقافة والتعليم ووهبهم الله رزقاً جعلهم في مستويات معيشية عليا. وكذلك اجتناب من كان جائعاً ومحروماً وجاءه الغنى مباغتاً على حين غرة ، فخلط أوراقه وبعثر أفكاره فنسي ماضيه المعدم وصار متبجحاً على من هم أعلى منه علماً وثقافة وأكبر قيمة معنوية وخلقية. ويُنصح هنا بتقارب المستويات الإجتماعية والمعيشية للزوجين عند الإختيار إن لم يكن الحب المسبق مُلزِما.ً
 برُّ الوالدين في حياتهما وفي مماتهما بالصدقة عنهما والدعاء لهما ، وصلة الرحم.
 تأدية الزكاة على أموالهم وموجوداتهم المدخرة في تاريخ استحقاقها وعلى مستحقيها دون تأخير ، فهي لن تنقص من أموالهم ومدخراتهم شيئاً بل تزيدها بركة. وتأدية الصدقات كلما رزقا برزق أو أنعم الله عليهما بنعمة ، وتفضيل الأقربين بالمعروف. فهذا يحفظ ويوفر عليهما نفقات مُبتلاة من الله لا يحسبون لها حساباً تحل دون موعد بتقدير الله وقضائه ويدفع عنهما العين والحسد وخاصة من الأقارب. وأن يؤمنا ايماناً راسخاً بحديث نبينا الكريم "ما نقص مالٌ من صدقة"
 الإخلاص في العمل الذي يدر عليهما مصادر الدخل فالعمل عبادة، والإجتهاد في زيادة مصادر الدخل بالحلال والإستثمار في حقول استثمارية محللة كالعقار والتجارة والعمل الإضافي وفي تنمية قدرات الأولاد وتعليمهم التعليم الذي يتوافق مع متطلبات سوق العمل. ليكونوا منتجين في المجتمع ، والعمل على تطوير القدرات الذاتية في مجال العمل من أجل التقدم والحصول على مراتب عليا وبالتالي مدخول أعلى.
 الأنتقال تدريجياً الى مستوىً معيشي أعلى للتمتع بالحياة وبالنعم وعدم الركون في المستوى المتواضع ، والعلو بالمستوى المعيشي بما يتناسب مع إرتفاع قيمة الدخل ، وتجنب الإنتقال المفاجيء الى مستوىً لا يتناسب مع الإمكانيات المستطاعة لتفادي الديون وبالتالي النكوص والإنكفاء. والصبرُ على النفس في التغيير للأفضل بدلاً من صبر الناس عليها "صبرك على نفسك ولا صبر الناس عليك".
 الإيمان بمقولة أن الصحة تاجٌ على رؤوس الأصحاء ، فالمال يأتي ويذهب كما أتى ، ولا نفع من الندم والحسرة عليه ، والعامل الثابت في جلب المال هو الإنسان بصحته التي تجلب المال كزينة للحياة الدنيا ، وبالصحة الجيدة يتمتع الإنسان بالمال. فكثير من الأثرياء يتمنون صحة البسطاء الفقراء ، وكثير من الأغنياء ماتوا بسبب فقدان أموالهم التي أتعبتهم في تتبعهم طريق الحصول عليها. وكلنا يتذكر قول البدوية الفاتنة التي تزوجها الحاكم وأسكنها قصراً : لبيت تخفق الأرياح فيه ... أحبُّ إليَّ من قصرٍ مُنيفِ ، ولُبسُ عباءةٍ وتقرُّ عيني ... أحب الي من لبس الشفوف ، وكلبٌ ينبحُ الطُّراق دوني ... أحبُّ اليّ من قطٍّ أليفِ.
 الإيمان بأن السعادة لا تنحصر في المال والتمتع به ، بل هي في الأمن الأسري والإجتماعي ، وفي الحب المتبادل بين الزوجين والأبناء ، وخوف الشريك على شريكه ومشاركته له في التخطيط لهذه الأسرة وترك هامش من الحرية لكل منهما في الأمور الإختصاصية والتي يتفوق فيها بمعرفته واختصاصه على الآخر. والعمل بالمشورة وتبادل الرأي والمشاركة واحترام الرأي والرأي الآخر والتوافق على كل القرارات والقضايا.
 إجتناب الديون لأغراض نفقات تآكلية، أي تناقصية وغير نفعية ، والتي تجر وتجلب الخسائر المادية والمعنوية ، ومحاولة الحصول على قروض لأغراضٍ ربحية وتنموية مدروسة الجدوى الإقتصادية ،ولأغراض سد حاجات استهلاكية للدخل لتنتقل من جانب المطلوبات الى جانب الموجودات كشراء بيت تمليك للتخلص من الأجرة ، والوفاء بالإلتزامات المترتبة عليها في تواريخ استحقاقها أو قبل حلول استحقاقها إن توفر ذلك ، للحصول على الثقة التي تشكل رصيداً معنوياً يمكن الإعتماد عليه كلما دعت الحاجة لذلك.
 الإيمان بأن نعم الله لا تعد ولا تحصى وموزعة على الخلق ، فمن الناس من وهبه الله المال والبنين والبنات ومنهم من وهبه البنين والبنات وحرمه من المال ، ومنهم من وهبه الله المال وحرمه من البنين ورزقه بالبنات أو العكس ،ومنهم من جعله عقيما.ً ووهب الله خلقه من الناس الحواس الخمسة ليستمتعوا بالحياة ، فمنهم من امتلكها جميعها ، ومنهم من فقد إحداها أو أكثر ويدفع كل ما يملك من مال من أجل استعادتها ، فمن كان بصيراً فلينظر الى من هو أعمى وحرم من نعمة البصر ولا يستطيع بماله شراءها أو استعادتها. كذلك فإن الرزق مكتوب منذ الولادة وما على الإنسان الاّ أن يجد ويجتهد ويشكر الله على كل حال فلن ينال أكثر من نصيبه ووعده المكتوب منذ ولادته في هذه الدنيا. وقال المثل الشعبي "لو تجري جري الوحوش ، غير رزقك ما بتحوش"
 الإيمان بأن الله خلق الناس طبقات متفاوتة في الرزق، وفي الصورة، أي الشكل والمحاسن وفي التكوين وفي الذكاء وقوة البنية، وفي السلطة ولكنهم في نهاية المطاف سواسية في الجزاء والعقاب يوم الحساب ، فيأخذ كل ذي حق حقه بالقسط والعدل ، حيث قال تعالى "وجعلنا بعضكم لبعض سُخريّا". وذلك من أجل بث روح الجد والإجتهاد والتنافس الشريف سعياً للأفضل ، ولم يُحرِّم الله على من كان عاملاً عند الغير أن يصبح بعمله وجهده وذكائه صاحب عمل يعمل لديه الآخرون .ولكل مجتهد في هذه الدنيا نصيب
.
 اجتناب النهج الوصولي من أجل تحقيق الأهداف بمبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" وبمعنى آخر أن لا تسلك الطرق والوسائل المبنية على ظلم الآخرين وعلى معاقرة المحرمات من أجل الوصول للغايات ، واعلم أن ساحتك ستكون مفتوحة للغير لظلمك إن ظلمت ، وأن الباديء أظلم. والله يمهل ولا يهمل وإن دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك. وإن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً. وإن لم تُعاقَب عاجلاً فسوف تلاقي عقابك آجلاً - فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
وإن مرور الزوجين بتلك المراحل الإقتصادية المتدرجة في بناء الأسرة لبنة فوق لبنة ، يُشعِر الزوجين بالتقارب والتآلف والتكافؤ ويُوسِّع من مساحة الذكريات المشتركة بينهما على امتداد عمريهما، ويزيد العلاقة بينهما تلاصقاً وتماسكاً واندماجاً متدرجاً ومبنياً على أساس قوي من التعاون والنجاح المشترك والشعور بالمسئولية كل في اختصاصه وحقله ، ويشعران كأنهما يقفان أمام بنيان علا بمجهوداتهما المشتركة يفتخران به ويجذب كلاً منهما للآخر، فتزداد الروابط واللحمة بينهما قوة ومتانة وتتوطد وتترسخ. ويشعر كل منهما مع الآخر ويتألم لألمه ويفرح لفرحه. ويبعث بينهما مشاعر المودة والرحمة ويشيع بينهما السكن ، ويجعل كلاً منهما ستراً وغطاءً للآخر ، لا ينكشف حالهما حتي يصلا الى حسن الخاتمة في حالة من الرضا عن النفس ورضا كلٍ منهما عن الآخر. لذلك وبناءً على الدراسات التي أجريت فإن بنيان الأسرة الذي تدرج من القاعدة على مراحل كمن يصعد السلم درجة درجة ، وعلى أسس قوية من الحب والقناعة ومتقاربة في المستوى المعيشي ثم انتقل الى مرحلة إعلاء الجدران لبنة لبنة بالجهد المشترك ثم الى السقف من قبل زوجين مكافحين ، كان بنيان هذا الزواج ناجحاً ومتفوقاً على بنيان الأسرة التي يبحث أحد طرفيها عن الإعتماد كلياً على الطرف الآخر في تمويل هذا البنيان ، كأن يبحث الفتى الفقير عن زوجة غنية أو العكس أن لا تتزوج الفتاة الاّ من زوج غني. مثلهما كمن يبحث عن الأكل الجاهز الذي يجهل طريقة صناعته ومكوناته فيصيبه بالتخمة وربما التسمم أو ينقل اليه جرثومة المرض . ففي هذه الحالة تنتفي الأهداف السامية وتخلو رسالة الحياة من بواعثها ومن محتواها وجوهرها الذي هو العمل والجد والإجتهاد والبناء الراسخ ، وتخلو العواطف المتبادلة بينهما من الرحمة والمودة والسكن التي هي من آيات الله في خلقه ليتفكر بها العباد حيث قال تعالى" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ، إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون" صدق الله العظيم.
ولنعد الى قوانين الطبيعة لإثبات ذلك، إذ كلما انخفضت درجة حرارة النفقات وازدادت درجة حرارة الإيرادات تتمدد دائرة الإيرادات بالحرارة على حساب دائرة النفقات التي تتقلص بالبرودة فتنحسر دائرة النفقات لحساب دائرة الإيرادات ، فيتكاثف بخار الماء القادم من من خفض النفقات على سطح الإيرادات ، ويترسب ساقطاً كالغيث في قعر الجرة رصيداً في حساب التوفير، فتزيد كمية المخزون من المياه ويزيد معها رصيد حساب التوفير، وكلما ارتفعت درجة حرارة النفقات وانخفضت درجة حرارة الإيرادات بالتباطؤ والكسل والصرف الزائد عن حده تمددت النفقات على حساب الإيرادات ، وتبخرت المدخرات في قعر الجرة من المياه ونفذ أو انكشف حساب التوفير.
فباتباع اسلوب الجرة في إدارة الإقتصاد المنزلي أو الأسري ، ستجد نفسك تمتلك رصيداً من المياه في الجرة تتناسب قيمته مع اجتهادك في تنفيذ وتطبيق البنود المذكورة أعلاه والتي تشكل خارطة طريق لبناء اقتصاد وأمن أسري سليم يحفظ من الظمأ في زمانٍ صَعْبٍ أصبح فيه القابض على ماء الحياة كالقابض على الجمر. فالنحافظ على رصيد دائن من ماء الحياة ولو بقدرٍ يسير وإن انكشف الرصيد فسينكشف الحال وتصبح الحياة المشتركة من المحال.

بقلم أحمد ابراهيم الحاج
3/12/2008
جميع الحقوق محفوظة لدنيا الرأي © 2003 - 2010

دموع الغصون
01-29-2012, 07:26 PM
نظرة اقتصادية رائعة لإدارة الإقتصاد المنزلي سلطت الضوء من خلال هذا المقال الرائع على أهم العوامل المسببة لحدوث فجوة بين الإيرادات والنفقات و بينت لنا أهم النقاط الأساسية لتقليص هذه الفجوة ووجود توافق مناسب من خلال نظرية الجرة
نصائح رائعة تشكل خارطة الطريق لكل أسرة تؤد الوصول إلى التآلف والتوافق و الود والنجاح المثمر والوصول إلى أمن أسري و الإحتفاظ بموفور كاف من ماء الحياة