Alegerienne
12-30-2008, 10:22 PM
في رحاب الإسراء والمعراج
هي رحلة عجيبة ، بدأت من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى حيث المسجد الأقصى ببيت المقدس بفلسطين .
قال تعالى :
{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنا إنه هو السميع البصير } الإسراء 1
وقال تعالى :
{ والنجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم وما غوى ، وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، علمه شديد القوى ، ذو مرة فاستوى ، وهو بالأفق الأعلى ، ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، ما كذب الفؤاد ما رأى ، أفتمارونه على ما يرى ولقد رءاه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهى ، عندها جنة المأوى ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، ما زاغ البصر وما طغى ، لقد رأى من ءايات ربه الكبرى . } النجم 1 – 18
ويتعجل البعض فيطلق على ( الإسراء والمعراج ) أنها معجزة ، وهي ليست كذلك ، وإنما هي مكرُمة عظيمة جليلة ، ضمن مكرُمات عظيمة اختص بها ربنا تبارك وتعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم .
إذ أن المعجزة تستلزم توافر عنصرين هامين :
أولهما : أن يقدمها النبي للقوم الذين أرسل إليهم ، ليثبت لهم صدق بلاغه عن الله تعالى ،
الثاني : فأن تكون تحديا لهم فيما نبغوا فيه .
وهذان العنصران الهامان يخرجان ( الإسراء والمعراج ) عن نطاق المعجزة ،
وهما يتحققان تماما في القرآن الكريم ، معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخالدة التي لا ريب فيها ،
إذ نزل عربيا بلغة القوم ، فأعجزهم من كل الوجوه ، وهم أصحاب الكلمة وأساطين البيان ، وهي بضاعتهم التي نبغوا فيها ، وبلغوا شأوا لا يطاول ، حتى إنهم كانوا يقيمون لعرضها والتنافس فيها المحافل والمراسم ، ( كعكاظ والمجنة وذي المجاز و المربد وغيرها) ،
كما أن القرآن الكريم ، في ذات الوقت ، أثبت صدق بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربنا تبارك وتعالى .
وقد اقترن الإسراء بالمعراج ، فتما في ليلة واحدة مباركة ، نصت أغلب كتب السنة على أنها الليلة السابعة والعشرين من شهر رجب ( الشهر الحرام ) قبيل الهجرة ، قيل بعامين ، وقيل بعام وبضعة أشهر ، وقيل بعام واحد ، وقيل بين بيعتي العقبة ، وقيل غير ذلك .
فإذا عرجنا لنسمو في رحاب الإسراء والمعراج ، يجدر بنا أن نذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن توفيت زوجه أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها ، ومن بعدها مباشرة توفي عمه أبو طالب ، ففقد بموتهما السكن في الداخل ، والنصرة في الخارج ، ونالت قريش منه ، وضاقت به مكة ، فاتجه إلى الطائف ، حيث قبيلة ثقيف ، ليدعوهم إلى عبادة الواحد الأحد ،
ولكنهم بكفرهم لم يهتدوا ، بل وردوه ردا منكرا ، إذ أثاروا عليه عبيدهم وسفهاءهم وغوغاءهم ، فرموه بالحجارة ، وأسالوا منه أزكى وأطهر دم على وجه الأرض ، فخرج من الطائف عائدا صوب مكة .
وفي الطريق هتف بالدعاء الخالد :
" اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي وهواني على الناس ، أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك ، أو أن ينزل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .
وإذا أمران يتحققان مباشرة ، إجابة لهذا الدعاء المبارك . . .
أولهما : إسلام الجن على يديه صلى الله عليه وسلم ،
ثانيهما : حادث الإسراء والمعراج على إثره.
أما عن إسلام الجن . . .
فقد ذكر ابن هشام في سيرته ، أنه صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ، حين يأس من خير ثقيف ، حتى إذا كان بنخلة ، ( موضع على ليلة من مكة ) ، قام من جوف الليل يصلي ، فمر به نفر من الجن الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم ، وهم سبعة نفر من جن ( نصيبين ) ، فاستمعوا له ، فلما فرغ من صلاته ، ولوا إلى قومهم منذرين ، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا ، فقص الله تعالى خبرهم عليه .
قال تعالى :
{ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرءان فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، يا قومنا أجيبوا داعي الله وءامنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم } . الأحقاف 29 - 31
وقال سبحانه في سورة " الجن " :
{ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا } .
إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة .
وإلى هذا أشار صاحب الروض الأنف ، الإمام السهيلي رحمه الله فقال :
في الحديث أنهم كانوا من جن نصيبين ، وفي التفسير أنهم كانوا يهودا ، ولذلك قالوا : من بعد موسى ، ولم يقولوا من بعد عيسى . . . وكانوا سبعة قد ذكروا بأسمائهم في التفاسير والمسندات . ثم ذكر بسنده من فضائل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه :
بينما عمر بن عبد العزيز يمشي في أرض فلاة ، فإذا حية ميتة ، فكفنها بفضلة من ردائه ، ودفنها ، فإذا قائل يقول :
يا سُرّق أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك : ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح . . .
فقال عمر : من أنت يرحمك الله ؟
فقال : رجل من الجن الذين تسمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبق منهم إلا أنا وسرّق . . . وهذا سُرّق قد مات . آ.هـ
وإذ قد أسلم الجن ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كثر وزاد تابعوه زيادة يخشاها العرب ، ولا طاقة إذن لمثل أبي جهل وأعوانه بالجن بأية حال من الأحوال .
ثم حدث الإسراء والمعراج ، مكرمة من رب العالمين سبحانه وتعالى ، فاختص بها حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم ، لذا جاء قوله تعالى :
{ لنريه من آياتنا }الإسراء 1
ولم يقل لنريهم .
وفي المعراج . . . إن كانت الأرض ظهرت لناظريه صلى الله عليه وسلم حينئذ ، فلعلها لم تزد عن هبأة لا قيمة لها ، تسبح في عالم لا يحده تصور ، ولا يدركه خيال .
وإذن . . .
فأين أبو جهل ، وأين عتبة ، وأين شيبة ؟
وأين العتاة المشركون في مكة ؟
بل أين مكة كلها ؟
بل أين الكرة الأرضية بمجملها ؟
وإذن فقد صدقت يا سيدي يا رسول الله حين قلت :
" عافيتك هي أوسع لي " .
على أن الحطابين ليلا ، يجنحون بعيدا حين يجمعون الغث والسمين من قصص وروايات وتفسيرات حول ( الإسراء والمعراج ) ،
إذ تصوروا أنه صلى الله عليه وسلم ركب البراق الذي كان من صفته أنه حيوان فوق الحمار ودون الحصان ، وأنه يضع حافره عند منتهى بصره ، مع أن افتتاح السورة جاء بقوله تعالى : {{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا }} يغني عن ذكر الوسيلة ، فضلا عن تجسيدها ووصفها ، وأين ذلك من قدرة الله تعالى على طي السماء ، قال تعالى :
{ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب } الأنبياء 104 ...
أليس هو القادر سبحانه وتعالى على أن يطوي الأرض لحبيبه صلى الله عليه وسلم ، فلا تزيد المسافة حينئذ بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى – إن كان ثمة مسافة – عن خطوة واحدة يسيرة ، دون أي تعب ، أو أية مشقة ؟
ثم إنهم تصوروا أن جبريل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المعراج كانا يدقان باب كل سماء ، وكأنها بنايات ، تدق وتطرق ، وتفتح وتغلق !!!
وتصوروا أحاديث ، وأسئلة وأجوبات دارت بين جبريل والملائكة في كل سماء . . .
من ؟
أنا جبريل . . .
ومن معك ؟
محمد . . .
أوقد بعث ؟ . !!! ..
وكأن هؤلاء الملائكة ( حراس السموات) ، لايرون شيئا خارج مواضع حراساتهم ، ولا يعلمون شيئا عن تكرار نزول جبريل بالوحي المقدس علي رسول الله صلي الله عليه وسلم طيلة الفترة السابقة علي هذا المعراج .
حتى انتهيا من السماوات السبع ، ووصلا إلى سدرة المنتهى ، حيث الحضرة الإلهية ، وكأنها في مكان يحويها ، مع أن الله تعالى هو الخالق للمكان وللزمان ، وسع كرسيه السموات والأرض .
ووصل أمر الشطحات وقياسات الماديات ، إلى تجسيد المساومة في فرض الصلوات ، حتي صارت خمسا بعد أن كانت خمسين ،
وانشغل كثيرون بمسألة مادية بحتة ، هل كان هذا الحدث العظيم بالروح ؟
أم بالروح والجسد معا ؟
فتباعدوا عن اللب ، وطفقوا يدورون حول القشور ، حتى إن البعض خرج برأي ثالث ، واعتبر الإسراء والمعراج استجماما ذهنيا وروحيا لوحدة الوجود ، في لحظة من لحظات الإشراق الروحي ، وعليه فهو يرى أن الإسراء كان بالروح في اليقظة . .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطع بواحد من هذين الاتجاهين أو الثلاثة ، بل إن النص القرآني المقدس ، لم يشر إلى هذه الاختلافات . . . إذ قال : { بعبده } .
ووقف البعض يفصل ويقول :
سألوه صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم المسجد الأقصى ، وفي الحال ، وضعه الله أمام ناظريه ، فأخبرهم بأبوابه ونوافذه وعُمُدِه وسقفه تفصيلا دقيقا . . .
ولعمري ، لقد اشتط مثل هؤلاء ، وقد سمعناهم بآذاننا ، يحدثون بذلك جهلا منهم ، إذ لم يكن في هذه اللحظات ثمة مسجد على وجه الأرض . . .
فالمسجد الأقصى بني في عصر الوليد بن عبد الملك ، بعد هذا اليوم بعشرات السنين .
وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف لقريش قرية بيت المقدس ، كشوارع ودروب وأحياء وبنايات ، وما إلي ذلك ، إذ لم يكن فيها غير هذا .
ويزعم البعض أن فئة من المسلمين ، حينما سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث بالإسراء والمعراج ، ارتدوا عن ضعف إيمان ورجعوا كافرين . . .
وهذا لم يحدث مطلقا ، فلم يكن بين هذا الصف المؤمن في مكة المكرمة من ارتد عن الإسلام .
ويشتط آخرون ، جهلا منهم ، فيقولون إن الصلاة فرضت في ( الإسراء والمعراج ) ،
وأسأل وأتساءل وصولا إلي الصواب المقنع :
هل مرت هذه الفترة المكية ، قبل الإسراء والمعراج كلها بدون الصلاة ؟!!!
الحقيقة أن الصلاة قد فرضت منذ " اقرأ " ، في بداية الدعوة.
حيث توضأ جبريل أمامه صلى الله عليه وسلم – فتعلم منه الوضوء – ثم أمه بصلاة . . . فرجع إلى خديجة رضي الله عنها وأرضاها ، فعلمها الوضوء ، وأمها بصلاة ، واقرأ إن شئت سورة القلم ، إلي آخرها لتري ذلك جليا .
وقد ذكر عفيف الكندي رضي الله عنه ، فيما رواه عنه ابن سعد في طبقاته ، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بخديجة وعلي رضي الله عنهما فقط إلى جوار الكعبة ، وكان ذلك في بداية الدعوة ، وإذ ذاك كانت الصلاة ( ركعتين في الغداه وركعتين في العشي) ،
ثم إنه صلى الله عليه وسلم صلى في بيت المقدس قبل أن يعرج ،
وقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها أن الصلوات كانت ثنائية ، ما عدا المغرب ، ثم فرضت الرباعية ( العشاء والظهر والعصر ) للمقيم ، وبقيت على حالتها ثنائية ، ( قصرا للمسافر ) . . .
أي زادت في الحضر وبقيت في السفر .
وإذن فقد غاب عن مثل هؤلاء تدرج فرض الصلاة ، إذ أسقطوا من عمر دعوته صلى الله عليه وسلم النصف تقريبا ، يدعو إلى دين الله بدون صلاة ، وهو خطأ شاع ، فوجب تصحيحه .
وانساق البعض وراء الروايات والقصص المختلفة ، فيما رآه وقابله صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة . . .
وقد وردت أحاديث ( الإسراء والمعراج ) في صحيح البخاري في سبع روايات ، في أبواب مختلفة ، في تحديد الزمان ، وفي تحديد المكان الذي بدأ منه ، وفي تحديد الطريقة ، وفي تحديد أمكنة الأنبياء في السموات ، وفي مسألة تخفيف عدد الصلوات .
وفي هذا ،
قال العلامة المرحوم الدكتور أحمد شلبي :
وكم عانى المفكرون المسلمون من أشياء وضعها الوضاع ، وتقبلها بعض المسلمين ، وراحوا يدافعون عنها بحماسة ، متصورين أن الشك في حديث واحد من أحاديث البخاري ومسلم يسقط كل أحاديث البخاري أو أحاديث مسلم .
ويذكر رحمه الله أن حديث الغرانيق والسحر وردت في هذه الكتب المهمة ، ويقرر أن هناك أحاديث موضوعة ، وجدت طريقها إلى البخاري ومسلم ، ولكنها قليلة جدا ، والحكم بوضعها لا يمس من قريب أو بعيد باقي الأحاديث ،
فوجود خطأ أو أخطاء محدودة في أي كتاب من الكتب لا يضع من قيمته ، وكل كتاب يحتمل فيه الخطأ والصواب إلا كتاب الله تعالى ، وليس من المعقول أن نرتفع بصحيح البخاري ليصبح من العصمة في درجة تساوي القرآن الكريم .
والقول ما قاله ابن كثير رحمه الله ، حين تعرض لحادث ( الإسراء والمعراج ) ، وتدارس أحاديث وردت في كتب الصحاح عنه ، فوصفها بالاضطراب . . . قال :
وإذا حصل الوقوف على هذه الأحاديث ، صحيحها وحسنها وضعيفها ، يحصل المضمون لما اتفقت عليه . . .
والحق أنه صلى الله عليه وسلم ، أسري به من مكة إلى بيت المقدس ، وهناك صلى ركعتين ، ثم عرج به إلى السماء ، وفرض الله عليه الصلوات خمسين ، ثم خففها إلى خمس ، رحمة منه ولطفا بعباده ، وذلك القدر هو ما ينبغي أن يقتنع به المسلم ، ويستبعد ما سواه . ا.هـ
فالله سبحانه اختار سدرة المنتهى ، ليتجلى فيها إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم ، كما تجلى إلى الجبل في سيناء ، إبان دعوة موسى عليه السلام ،
وإذ كان أكرم زائر لأكرم مزور ، فلابد من أن يكرمه ربه بهدية تليق بمقامه وبمقام أمته ، ففرض الصلاة خمسا ، معراجا للعبد المؤمن ، يتكرر دوما ، ليل نهار ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ قال :
" وجعلت قرة عيني في الصلاة "
ولم لا . . . وهي إحدى أركان الإسلام الخمسة ، ومع ذلك فهي تشتمل عليها جميعا .
وعلى العموم ، فمن ترصيع البيان أن نذكر بعض الدروس والعبر من ( الإسراء والمعراج ) . . والتي منها :
1. تحولت النبوة من بني إسرائيل إلى الأبد ، بعد أن مكثت فيهم دهورا كثيرة ، إذ كثرت فيهم الأنبياء ، لكثرة عللهم وطغيانهم وضلالهم وفسادهم .
2. بهذه الرحلة المباركة ، تم الإعلان عن وراثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، الرسول الخاتم لمقدسات الأنبياء والرسل من قبله ، واشتمال رسالته على كل هذه المقدسات وتصديقها ، وارتباطها بها جميعا .
3. ما كانت الرسالات السابقة على رسالته صلى الله عليه وسلم إلا تمهيدا لها ، باعتبارها خاتمة الرسالات ، وباعتباره خاتم الأنبياء والمرسلين ، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : " مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة ، فأنا تلك اللبنة ، وأنا خاتم النبيين " وتصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " .
4. شجاعته صلى الله عليه وسلم حين أعلن عن ( الإسراء والمعراج ) مع علمه التام أنهم سيكذبونه . . . وفي هذا قالت له ابنة عمه ، هند بنت أبي طالب ( أم هانئ ) : يا نبي الله ، لا تحدث به الناس فيكذبوك ويؤذوك ، قال : " والله لأحدثنهموه " .
5. موقف الصديق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه ، حين قال إبان هذا الحدث الجليل : لئن قال ذلك ، لقد صدق ، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك ، من خبر السماء في غدوة أو روحة ، فكان تصديقه رضي الله عنه وأرضاه دليلا على صدق عقيدته وقوة إيمانه ، وبإجابته القاطعة هذه ، رد على المسلمين يقينهم ، وأزال بحجته المنطقية الدامغة القوية ما اشتبه عليهم ، ورد سهام الكافرين في نحورهم .
6. ذكر كلمة " بعبده " في أول سورة الإسراء ، تنفي أية محاولة لتأليهه صلى الله عليه وسلم ، بل وتثبت بالنص الصريح أنه عبد الله ومصطفاه . صلوات الله وسلامه عليه .
وإنها لذكرى عظيمة تتجدد لنا نحن المسلمين في كل عام ، فينبغي علينا أن نحتفل بها احتفالا إسلاميا مشروعا ، يناسب قدرها العظيم ، كما ينبغي أن تكون بمثابة شحنات إيمانية طيبة على طريق الهدي القويم ، وسبيل الله المستقيم .
فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه والتابعين ، واغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولأصحاب الحقوق علينا أجمعين ، وقنا عذابك يوم تبعث عبادك فأنت حسبنا ونعم الوكيل ، اللهم آمين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
هي رحلة عجيبة ، بدأت من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى حيث المسجد الأقصى ببيت المقدس بفلسطين .
قال تعالى :
{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنا إنه هو السميع البصير } الإسراء 1
وقال تعالى :
{ والنجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم وما غوى ، وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، علمه شديد القوى ، ذو مرة فاستوى ، وهو بالأفق الأعلى ، ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، ما كذب الفؤاد ما رأى ، أفتمارونه على ما يرى ولقد رءاه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهى ، عندها جنة المأوى ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، ما زاغ البصر وما طغى ، لقد رأى من ءايات ربه الكبرى . } النجم 1 – 18
ويتعجل البعض فيطلق على ( الإسراء والمعراج ) أنها معجزة ، وهي ليست كذلك ، وإنما هي مكرُمة عظيمة جليلة ، ضمن مكرُمات عظيمة اختص بها ربنا تبارك وتعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم .
إذ أن المعجزة تستلزم توافر عنصرين هامين :
أولهما : أن يقدمها النبي للقوم الذين أرسل إليهم ، ليثبت لهم صدق بلاغه عن الله تعالى ،
الثاني : فأن تكون تحديا لهم فيما نبغوا فيه .
وهذان العنصران الهامان يخرجان ( الإسراء والمعراج ) عن نطاق المعجزة ،
وهما يتحققان تماما في القرآن الكريم ، معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخالدة التي لا ريب فيها ،
إذ نزل عربيا بلغة القوم ، فأعجزهم من كل الوجوه ، وهم أصحاب الكلمة وأساطين البيان ، وهي بضاعتهم التي نبغوا فيها ، وبلغوا شأوا لا يطاول ، حتى إنهم كانوا يقيمون لعرضها والتنافس فيها المحافل والمراسم ، ( كعكاظ والمجنة وذي المجاز و المربد وغيرها) ،
كما أن القرآن الكريم ، في ذات الوقت ، أثبت صدق بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربنا تبارك وتعالى .
وقد اقترن الإسراء بالمعراج ، فتما في ليلة واحدة مباركة ، نصت أغلب كتب السنة على أنها الليلة السابعة والعشرين من شهر رجب ( الشهر الحرام ) قبيل الهجرة ، قيل بعامين ، وقيل بعام وبضعة أشهر ، وقيل بعام واحد ، وقيل بين بيعتي العقبة ، وقيل غير ذلك .
فإذا عرجنا لنسمو في رحاب الإسراء والمعراج ، يجدر بنا أن نذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن توفيت زوجه أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها ، ومن بعدها مباشرة توفي عمه أبو طالب ، ففقد بموتهما السكن في الداخل ، والنصرة في الخارج ، ونالت قريش منه ، وضاقت به مكة ، فاتجه إلى الطائف ، حيث قبيلة ثقيف ، ليدعوهم إلى عبادة الواحد الأحد ،
ولكنهم بكفرهم لم يهتدوا ، بل وردوه ردا منكرا ، إذ أثاروا عليه عبيدهم وسفهاءهم وغوغاءهم ، فرموه بالحجارة ، وأسالوا منه أزكى وأطهر دم على وجه الأرض ، فخرج من الطائف عائدا صوب مكة .
وفي الطريق هتف بالدعاء الخالد :
" اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي وهواني على الناس ، أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك ، أو أن ينزل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .
وإذا أمران يتحققان مباشرة ، إجابة لهذا الدعاء المبارك . . .
أولهما : إسلام الجن على يديه صلى الله عليه وسلم ،
ثانيهما : حادث الإسراء والمعراج على إثره.
أما عن إسلام الجن . . .
فقد ذكر ابن هشام في سيرته ، أنه صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ، حين يأس من خير ثقيف ، حتى إذا كان بنخلة ، ( موضع على ليلة من مكة ) ، قام من جوف الليل يصلي ، فمر به نفر من الجن الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم ، وهم سبعة نفر من جن ( نصيبين ) ، فاستمعوا له ، فلما فرغ من صلاته ، ولوا إلى قومهم منذرين ، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا ، فقص الله تعالى خبرهم عليه .
قال تعالى :
{ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرءان فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، يا قومنا أجيبوا داعي الله وءامنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم } . الأحقاف 29 - 31
وقال سبحانه في سورة " الجن " :
{ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا } .
إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة .
وإلى هذا أشار صاحب الروض الأنف ، الإمام السهيلي رحمه الله فقال :
في الحديث أنهم كانوا من جن نصيبين ، وفي التفسير أنهم كانوا يهودا ، ولذلك قالوا : من بعد موسى ، ولم يقولوا من بعد عيسى . . . وكانوا سبعة قد ذكروا بأسمائهم في التفاسير والمسندات . ثم ذكر بسنده من فضائل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه :
بينما عمر بن عبد العزيز يمشي في أرض فلاة ، فإذا حية ميتة ، فكفنها بفضلة من ردائه ، ودفنها ، فإذا قائل يقول :
يا سُرّق أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك : ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح . . .
فقال عمر : من أنت يرحمك الله ؟
فقال : رجل من الجن الذين تسمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبق منهم إلا أنا وسرّق . . . وهذا سُرّق قد مات . آ.هـ
وإذ قد أسلم الجن ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كثر وزاد تابعوه زيادة يخشاها العرب ، ولا طاقة إذن لمثل أبي جهل وأعوانه بالجن بأية حال من الأحوال .
ثم حدث الإسراء والمعراج ، مكرمة من رب العالمين سبحانه وتعالى ، فاختص بها حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم ، لذا جاء قوله تعالى :
{ لنريه من آياتنا }الإسراء 1
ولم يقل لنريهم .
وفي المعراج . . . إن كانت الأرض ظهرت لناظريه صلى الله عليه وسلم حينئذ ، فلعلها لم تزد عن هبأة لا قيمة لها ، تسبح في عالم لا يحده تصور ، ولا يدركه خيال .
وإذن . . .
فأين أبو جهل ، وأين عتبة ، وأين شيبة ؟
وأين العتاة المشركون في مكة ؟
بل أين مكة كلها ؟
بل أين الكرة الأرضية بمجملها ؟
وإذن فقد صدقت يا سيدي يا رسول الله حين قلت :
" عافيتك هي أوسع لي " .
على أن الحطابين ليلا ، يجنحون بعيدا حين يجمعون الغث والسمين من قصص وروايات وتفسيرات حول ( الإسراء والمعراج ) ،
إذ تصوروا أنه صلى الله عليه وسلم ركب البراق الذي كان من صفته أنه حيوان فوق الحمار ودون الحصان ، وأنه يضع حافره عند منتهى بصره ، مع أن افتتاح السورة جاء بقوله تعالى : {{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا }} يغني عن ذكر الوسيلة ، فضلا عن تجسيدها ووصفها ، وأين ذلك من قدرة الله تعالى على طي السماء ، قال تعالى :
{ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب } الأنبياء 104 ...
أليس هو القادر سبحانه وتعالى على أن يطوي الأرض لحبيبه صلى الله عليه وسلم ، فلا تزيد المسافة حينئذ بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى – إن كان ثمة مسافة – عن خطوة واحدة يسيرة ، دون أي تعب ، أو أية مشقة ؟
ثم إنهم تصوروا أن جبريل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المعراج كانا يدقان باب كل سماء ، وكأنها بنايات ، تدق وتطرق ، وتفتح وتغلق !!!
وتصوروا أحاديث ، وأسئلة وأجوبات دارت بين جبريل والملائكة في كل سماء . . .
من ؟
أنا جبريل . . .
ومن معك ؟
محمد . . .
أوقد بعث ؟ . !!! ..
وكأن هؤلاء الملائكة ( حراس السموات) ، لايرون شيئا خارج مواضع حراساتهم ، ولا يعلمون شيئا عن تكرار نزول جبريل بالوحي المقدس علي رسول الله صلي الله عليه وسلم طيلة الفترة السابقة علي هذا المعراج .
حتى انتهيا من السماوات السبع ، ووصلا إلى سدرة المنتهى ، حيث الحضرة الإلهية ، وكأنها في مكان يحويها ، مع أن الله تعالى هو الخالق للمكان وللزمان ، وسع كرسيه السموات والأرض .
ووصل أمر الشطحات وقياسات الماديات ، إلى تجسيد المساومة في فرض الصلوات ، حتي صارت خمسا بعد أن كانت خمسين ،
وانشغل كثيرون بمسألة مادية بحتة ، هل كان هذا الحدث العظيم بالروح ؟
أم بالروح والجسد معا ؟
فتباعدوا عن اللب ، وطفقوا يدورون حول القشور ، حتى إن البعض خرج برأي ثالث ، واعتبر الإسراء والمعراج استجماما ذهنيا وروحيا لوحدة الوجود ، في لحظة من لحظات الإشراق الروحي ، وعليه فهو يرى أن الإسراء كان بالروح في اليقظة . .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطع بواحد من هذين الاتجاهين أو الثلاثة ، بل إن النص القرآني المقدس ، لم يشر إلى هذه الاختلافات . . . إذ قال : { بعبده } .
ووقف البعض يفصل ويقول :
سألوه صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم المسجد الأقصى ، وفي الحال ، وضعه الله أمام ناظريه ، فأخبرهم بأبوابه ونوافذه وعُمُدِه وسقفه تفصيلا دقيقا . . .
ولعمري ، لقد اشتط مثل هؤلاء ، وقد سمعناهم بآذاننا ، يحدثون بذلك جهلا منهم ، إذ لم يكن في هذه اللحظات ثمة مسجد على وجه الأرض . . .
فالمسجد الأقصى بني في عصر الوليد بن عبد الملك ، بعد هذا اليوم بعشرات السنين .
وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف لقريش قرية بيت المقدس ، كشوارع ودروب وأحياء وبنايات ، وما إلي ذلك ، إذ لم يكن فيها غير هذا .
ويزعم البعض أن فئة من المسلمين ، حينما سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث بالإسراء والمعراج ، ارتدوا عن ضعف إيمان ورجعوا كافرين . . .
وهذا لم يحدث مطلقا ، فلم يكن بين هذا الصف المؤمن في مكة المكرمة من ارتد عن الإسلام .
ويشتط آخرون ، جهلا منهم ، فيقولون إن الصلاة فرضت في ( الإسراء والمعراج ) ،
وأسأل وأتساءل وصولا إلي الصواب المقنع :
هل مرت هذه الفترة المكية ، قبل الإسراء والمعراج كلها بدون الصلاة ؟!!!
الحقيقة أن الصلاة قد فرضت منذ " اقرأ " ، في بداية الدعوة.
حيث توضأ جبريل أمامه صلى الله عليه وسلم – فتعلم منه الوضوء – ثم أمه بصلاة . . . فرجع إلى خديجة رضي الله عنها وأرضاها ، فعلمها الوضوء ، وأمها بصلاة ، واقرأ إن شئت سورة القلم ، إلي آخرها لتري ذلك جليا .
وقد ذكر عفيف الكندي رضي الله عنه ، فيما رواه عنه ابن سعد في طبقاته ، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بخديجة وعلي رضي الله عنهما فقط إلى جوار الكعبة ، وكان ذلك في بداية الدعوة ، وإذ ذاك كانت الصلاة ( ركعتين في الغداه وركعتين في العشي) ،
ثم إنه صلى الله عليه وسلم صلى في بيت المقدس قبل أن يعرج ،
وقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها أن الصلوات كانت ثنائية ، ما عدا المغرب ، ثم فرضت الرباعية ( العشاء والظهر والعصر ) للمقيم ، وبقيت على حالتها ثنائية ، ( قصرا للمسافر ) . . .
أي زادت في الحضر وبقيت في السفر .
وإذن فقد غاب عن مثل هؤلاء تدرج فرض الصلاة ، إذ أسقطوا من عمر دعوته صلى الله عليه وسلم النصف تقريبا ، يدعو إلى دين الله بدون صلاة ، وهو خطأ شاع ، فوجب تصحيحه .
وانساق البعض وراء الروايات والقصص المختلفة ، فيما رآه وقابله صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة . . .
وقد وردت أحاديث ( الإسراء والمعراج ) في صحيح البخاري في سبع روايات ، في أبواب مختلفة ، في تحديد الزمان ، وفي تحديد المكان الذي بدأ منه ، وفي تحديد الطريقة ، وفي تحديد أمكنة الأنبياء في السموات ، وفي مسألة تخفيف عدد الصلوات .
وفي هذا ،
قال العلامة المرحوم الدكتور أحمد شلبي :
وكم عانى المفكرون المسلمون من أشياء وضعها الوضاع ، وتقبلها بعض المسلمين ، وراحوا يدافعون عنها بحماسة ، متصورين أن الشك في حديث واحد من أحاديث البخاري ومسلم يسقط كل أحاديث البخاري أو أحاديث مسلم .
ويذكر رحمه الله أن حديث الغرانيق والسحر وردت في هذه الكتب المهمة ، ويقرر أن هناك أحاديث موضوعة ، وجدت طريقها إلى البخاري ومسلم ، ولكنها قليلة جدا ، والحكم بوضعها لا يمس من قريب أو بعيد باقي الأحاديث ،
فوجود خطأ أو أخطاء محدودة في أي كتاب من الكتب لا يضع من قيمته ، وكل كتاب يحتمل فيه الخطأ والصواب إلا كتاب الله تعالى ، وليس من المعقول أن نرتفع بصحيح البخاري ليصبح من العصمة في درجة تساوي القرآن الكريم .
والقول ما قاله ابن كثير رحمه الله ، حين تعرض لحادث ( الإسراء والمعراج ) ، وتدارس أحاديث وردت في كتب الصحاح عنه ، فوصفها بالاضطراب . . . قال :
وإذا حصل الوقوف على هذه الأحاديث ، صحيحها وحسنها وضعيفها ، يحصل المضمون لما اتفقت عليه . . .
والحق أنه صلى الله عليه وسلم ، أسري به من مكة إلى بيت المقدس ، وهناك صلى ركعتين ، ثم عرج به إلى السماء ، وفرض الله عليه الصلوات خمسين ، ثم خففها إلى خمس ، رحمة منه ولطفا بعباده ، وذلك القدر هو ما ينبغي أن يقتنع به المسلم ، ويستبعد ما سواه . ا.هـ
فالله سبحانه اختار سدرة المنتهى ، ليتجلى فيها إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم ، كما تجلى إلى الجبل في سيناء ، إبان دعوة موسى عليه السلام ،
وإذ كان أكرم زائر لأكرم مزور ، فلابد من أن يكرمه ربه بهدية تليق بمقامه وبمقام أمته ، ففرض الصلاة خمسا ، معراجا للعبد المؤمن ، يتكرر دوما ، ليل نهار ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ قال :
" وجعلت قرة عيني في الصلاة "
ولم لا . . . وهي إحدى أركان الإسلام الخمسة ، ومع ذلك فهي تشتمل عليها جميعا .
وعلى العموم ، فمن ترصيع البيان أن نذكر بعض الدروس والعبر من ( الإسراء والمعراج ) . . والتي منها :
1. تحولت النبوة من بني إسرائيل إلى الأبد ، بعد أن مكثت فيهم دهورا كثيرة ، إذ كثرت فيهم الأنبياء ، لكثرة عللهم وطغيانهم وضلالهم وفسادهم .
2. بهذه الرحلة المباركة ، تم الإعلان عن وراثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، الرسول الخاتم لمقدسات الأنبياء والرسل من قبله ، واشتمال رسالته على كل هذه المقدسات وتصديقها ، وارتباطها بها جميعا .
3. ما كانت الرسالات السابقة على رسالته صلى الله عليه وسلم إلا تمهيدا لها ، باعتبارها خاتمة الرسالات ، وباعتباره خاتم الأنبياء والمرسلين ، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : " مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة ، فأنا تلك اللبنة ، وأنا خاتم النبيين " وتصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " .
4. شجاعته صلى الله عليه وسلم حين أعلن عن ( الإسراء والمعراج ) مع علمه التام أنهم سيكذبونه . . . وفي هذا قالت له ابنة عمه ، هند بنت أبي طالب ( أم هانئ ) : يا نبي الله ، لا تحدث به الناس فيكذبوك ويؤذوك ، قال : " والله لأحدثنهموه " .
5. موقف الصديق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه ، حين قال إبان هذا الحدث الجليل : لئن قال ذلك ، لقد صدق ، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك ، من خبر السماء في غدوة أو روحة ، فكان تصديقه رضي الله عنه وأرضاه دليلا على صدق عقيدته وقوة إيمانه ، وبإجابته القاطعة هذه ، رد على المسلمين يقينهم ، وأزال بحجته المنطقية الدامغة القوية ما اشتبه عليهم ، ورد سهام الكافرين في نحورهم .
6. ذكر كلمة " بعبده " في أول سورة الإسراء ، تنفي أية محاولة لتأليهه صلى الله عليه وسلم ، بل وتثبت بالنص الصريح أنه عبد الله ومصطفاه . صلوات الله وسلامه عليه .
وإنها لذكرى عظيمة تتجدد لنا نحن المسلمين في كل عام ، فينبغي علينا أن نحتفل بها احتفالا إسلاميا مشروعا ، يناسب قدرها العظيم ، كما ينبغي أن تكون بمثابة شحنات إيمانية طيبة على طريق الهدي القويم ، وسبيل الله المستقيم .
فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه والتابعين ، واغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولأصحاب الحقوق علينا أجمعين ، وقنا عذابك يوم تبعث عبادك فأنت حسبنا ونعم الوكيل ، اللهم آمين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .